مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

231

تفسير مقتنيات الدرر

كانوا امّة واحدة في الكفر لقوله تعالى : « فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ » « 1 » وشهيد اللَّه لا بدّ وأن يكون مؤمنا عدلا فثبت أنّه ما خلت امّة من الأمم إلَّا وفيهم مؤمن ، ثمّ إنّ الأحاديث وردت بأنّ الأرض لا تخلو عمّن يعبد اللَّه وعن أقوام بهم يمطر أهل الأرض وبهم يرزقون على أنّ الحكمة الأصليّة في الخلق العبوديّة فخلوّ أهل الأرض بالكليّة عن هذا المقصود بعيد . روي عن النبيّ صلى اللَّه عليه وآله أنّه قال : إنّ اللَّه تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلَّا بقيّة من أهل الكتاب . وهذا يدلّ على قوم تمسّكوا بالإيمان قبل مجيء الرسول عليه السّلام ، فكيف يقال : إنّهم كانوا امّة واحدة في الكفر ؟ ثمّ على كون الامّة مؤمنة اختلف القائلون بهذا القول أنّهم متى كانوا كذلك ؟ فقال ابن عبّاس ومجاهد وجماعة : كانوا على دين الإسلام في عهد آدم وفي عهد ولده واختلفوا عند قتل أحد ابنيه الابن الآخر . وقال قوم : إنّهم بقوا على دين الإسلام إلى زمن نوح وكانوا عشر قرون مسلمين ثم اختلفوا في زمن نوح فبعث اللَّه نوحا إليهم . وقال آخرون : كانوا على دين الإسلام في زمن نوح بعد الغرق إلى أن ظهر الكفر فيهم . وقال آخرون : كانوا على دين الإسلام من عهد إبراهيم عليه السّلام إلى أن غيّره عمرو بن لحيّ . وهذا القائل قال : المراد من الناس في قوله : « وما كان الناس » العرب خاصّة . إذا عرفت هذا فالمراد من بيان الآية على هذا التقرير أنّ عبادة الأصنام ما كان أصليّا فيهم وأنّه إنّما حدث بعد أن لم يكن فعلى هذه الصورة كيف لم يتزيّفوا هذا المذهب ولم تنفر طباعهم عنه ؟ هذا كلَّه على بيان أنّ الناس كانوا امّة واحدة في الإيمان ويصحّ الوعيد حينئذ لأنّ الاختلاف وقع بسبب الكفر وذلك يقضي الوعيد . وأمّا إذا فسّرنا بأنّ الناس كانوا امّة واحدة في الكفر كما هو منقول عن بعض المفسّرين ففائدة هذا الكلام في هذا المقام هي أنّه تعالى بيّن للرسول أنّه لا تطمع في أن يصير كلّ من تدعوه إلى الدين مجيبا لك قابلا لدينك فإنّ الناس كلَّهم كانوا على الكفر ، وإنّما حدث الإسلام في بعضهم بعد ذلك فكيف تطمع في إيمان كلَّهم واتّفاقهم جميعا علي الإيمان .

--> ( 1 ) النساء : 45 .